لقد كشف لينين مظاهر وجود الحركة الصهيونية و مرتكزاتها و كافحها، و انطلاقا من رؤيته لمصالح البروليتاريا العالمية و الثورة الاشتراكية اتخذ المواقف العملية ضد هذه الحركة و دحض منطلقاتها الفكرية و فضح جوهرها الطبقي الرجعي و دورها التخريبي العدائي .
لقد واجه لينين المظاهر الاولى للحركة الصهيونية عندما كانت في فترة التكون و تصدى لتجلياتها و تاثيراتها بين صفوف الطبقة العاملة و الجماهير الكادحة حيث كان توجهها مركزا على عزل اليهود عن بقية السكان و افتعال الانقسامات القومية و العنصرية في ظروف باتت فيها وحدة الحركة البروليتارية و قوتها المتنمية تشكل خطرا جديا على النظام الراسمالي ووجوده .
انتقد لينين بشدة التيارات التي كانت داخل الحركة العمالية و الاشتراكية ( مثل البوند ) و غيرها مبينا ان ما تقوم به لفصل اليهود و تميزهم عن غيرهم من ابناء طبقتهم هو تقسيم لحركة العمال و اضعاف لها و ان موقفها هذا ينطلق من واقع التعصب القومي البرجوازي و العنصرية المادية المعادية تماما لمصلحة البروليتاريا و نضالها الطبقي و الاممي .
ففي تساؤله عام 1903 " هل ذلك الواقع وهو ان القوى الرجعية بالذات في اوروبا كلها و خاصة في روسيا تتألب ضد اندماج اليهود و تحاول تكريس عزلتهم نهائيا بانه مجرد صدفة ؟" يشير لينين إلى الارتباط بين مصلحة الطبقات البرجوازية الرجعية الخائفة على سلطتها و بين الحركة الصهيونية و ما يماثلها في العمل على تقسيم الحركة البروليتارية و تخريب وحدتها و قواها المتنامية .
و وقف لينين قائد البروليتاريا العالمية سنة 1908 في دورة المكتب الاشتراكي الاممي في بروكسل بحزم ضد قبول حزب العمال الصهيوني الاشتراكي في الشعبة الفرعية الروسية للاممية و قد نال موقفه تاييد جميع أعضاء المكتب.
لقد انطلق لينين في مواقفه هذه من الماركسية التي تقوم على اساس الاممية البروليتارية و وحدة الطبقة العاملة و كشف الجوهر الرجعي للصهيونية المناقض كليا للماركسية و قد كان اول ماركسي يفضح هذا الطابع و يظهر ان الصهيونية هي اداة تستعملها البرجوازية «اليهودية» لتحقيق غاياتها الرجعية .
الطبيعة الطبقية للصهيونية من خلال نشأتها و تاريخها :
كان تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية عام 1897 أي في الظروف التي وصلت فيها الراسمالية الى مرحلتها الامبريالية في فترة الدفاع عن مصلحة الدول الاستعمارية و مطامعها في السيطرة .
كما ان التمركز المالي الضخم و التطور التكنيكي الهائل ولد معه زيادة ضخمة في اعداد البروليتاريا و نموها مما ادى الى بروز و اشتداد المعارك الطبقية التي اخذت تزداد فيها و تتقوى وحدة الطبقة العاملة ضد الطبقة الراسمالية مما اخاف الامبريالية و جعلها تفتش بالحاح عن قوة تعمل لصالحها من اجل تخريب وحدة الطبقة العاملة و نضالها و ترابطها الاممي فكانت ظاهرة الصهيونية و منظمتها العالمية .
لقد ركز مفكرو الصهيوني على استخدام الدين اليهودي , و على التوفيق بين اليهودية و الصهيونية و وضوا مجموعة من المبررات للتأثير على اليهود و اجتذابهم مثل وجود و تفوق " الامة اليهودية العالمية " و " وحدة اليهود الثقافية " .. و لكن الواقع و العلم يدحضان مثل هذه الإدعاآت . و قد كتب لينين في مقالته "ملاحظات انتقادية حول المسألة القومية " ما يلي :
" إن اليهود القاطنون في روسيا و فاليسيا ليسوا في هذين البلدين سوى فئة مغلقة معزولة , و هذا هو الرأي الثابت الذي يقول به أولئك الذين يعرفون التاريخ اليهودي يقين المعرفة "
لقد تجلى الاندماج الامبريالي الصهيوني بوضوح خاصه في اختيار المكان الملائم لإقامة هذه الدولة , فقد كان ذلك خاضعا لانتصار « وايزمن « ( في صراع القادة الصهاينة ) الموالي للانجليز من جهة و لالتقاء ذلك مع رغبة الصهاينة في إقامة " دولتهم " في " أرض الميعاد " فلسطين بحيث تساعد جاذبيتها الدينية الرمزيه على اجتذاب اليهود و تحقيق " صهينيتهم " .
إن رعب الطبقة البرجوازية و قواها الرجعية في اوروبا و في روسيا من النهوض الثوري العارم في أوساط العمال و الحركة الشعبية في أوائل القرن العشرين قد دفع القوى الرجعية لاستخدام كل الوسائل التي تحول الصراع ضد نظامها إلى صدام داخل الجماهير الشعبية ذاتها فعولت على استخدام التعصب القومي و العرقي و كان ذلك يلتقي مع الصهيونية و يخدم أهدافها و منطلقاتها التي تصف غير اليهود بالاسامية ...
إن المخططات التآمرية المشتركة للصهيونية و الإستعمار القائمة على الترابط و التلاحم المصلحي في النهب و السيطرة و على العداء المقيت للإشتراكية و قواها الثورية هي التي كانت في أساس الإغتصاب الصهيوني لفلسطين و قد كان لوجودها في هذه المنطقة بالذات أهمية كبرى للمصالح الإمبريالية فهي على مقربة من قناة السويس و في منطقة تعوم على بحيرات من البترول إضافة إلى الموقع الإستراتيجي كقاعدة ثابتة للإستعمار يستخدمها لضرب حركة الشعوب العربية التحررية الصاعدة و منع وحدتها
الصهيونية شكل فاشي جديد للإمبريالية :
لقد برزت الصهيونية في أواسط القرن العشرين كفصيلة صدام أكثر شراسة ضد الحركة الثورية و هي بإيديولوجيتها العنصرية و الشوفينية، النزاعة إلى التوسع و الحرب، و التي تتضح بالعداء و الحقد ضد الشيوعية، تشكل المظهر الفاشي الجديد للإمبريالية العالمية، إذ تقوم هي الأخرى على مقولات « العرق الممتاز» و « تفوق الأمة الممتازة» و احتقار الشعوب الأخرى بل تضيف منطلقا آخرا هو اليهودية كدين « شعب الله المختار» .
إن الحركة الصهيونية لا تقلّ بربرية و إجراما عن الفاشية فلقد أقامت "دولتها" من الأساس على الإرهاب و التقتيل و الإبادات الجماعية و التشريد )مذبحة دير ياسين ـ صبرا و شتيلا ( و عن طريق هذه الأعمال الوحشية قامت بتشريد مليون فلسطيني و أخذت تنكشف كمركز تهديد دائم معدّ لضرب الحركة التحررية العربية فأكّد ذلك دورها في العدوان الثلاثي عام 1956 و أظهرت مغامرتها الحربية في الخامس من حزيران نزعتها التوسعية و طموحها إلى السيطرة الإمبريالية على الجماهير الشعبية في العالم بأسره . ويأتي كل يوم بمثل جديد على تطلعات دولة الصهاينة التوسعية و على أساليبها الوحشية من استخدام قنابل النابالم المحرمة دوليا إلى الإعتداءات على القرى و الناس الآمنين في لبنان و البلدان العربية الأخرى) قتل 100 عامل في مصنع أبو زعبل / جريمة مدرسة بحر البقر / غارة حمام الشط ... (
إن تحليل ماركس للقضية اليهودية هو ما يجب الإنطلاق منه في تحديد المواقف و في رؤية الإتجاه الواقعي العملي لحل القضية اليهودية . ففي كتابه المسألة اليهودية يقول ماركس:
" إن قومية اليهودي الوهمية هي قومية التاجر : قومية رجل المال"
" المال هو إله إسرائيل المطماع , و أمامه لا ينبغي لأي إله أن يعيش ..." ثم يقول أن " التحرر الإجتماعي لليهودي إنما هو تحرير المجتمع من اليهودية"
إن الصهيونية التي فضح لينين جوهرها الطبقي الرجعي المعادي للأممية البروليتارية هي اليوم إيديولوجية و منظومة متشعبة من الأجهزة المنتشرة في العالم وهي باندماجها و ترابطها مع الإمبريالية و بالدعم المتزايد اللامحدود الذي تلقاه منها تبرز عدوا لحركة التحرر العربي عامة و المد الثوري الشيوعي خاصة .
إن الحركة الثورية و قواها الرئيسية التي تهتدي بتعاليم الماركسية اللينينية في كفاحها الثوري ضد الإمبريالية و الإستعمار و من أجل إزالة المجتمع الرأسمالي و الإنتصار للإشتراكية هي في كفاحها هذا و في معركتها المتعددة الأشكال و الجبهات أمام عدو ماكر و خطر متمثل بالصهيونية، أمام مظهر فاشي جديد للإمبريالية، هي أمام ضرورة تركيز جهود كبيرة و اهتمام يتناسب و خطورة الكيان الصهيوني، فمجاربته و القضاء عليه هو قضاء على موقع خطير ضد حركة التحرر الوطني.
/image%2F1265667%2F20170603%2Fob_9c0f2a_12799188-1098105910232129-862678561020.jpg)