إننا اليوم في تونس بعد نجاح الالتفاف على مطالب الانتفاضة و كبحها و الحول دون تحولها إلى ثورة تقلب الموازين و تحقق التحرر الوطني و الانعتاق الاجتماعي و بعد منح الامبريالية الامريكية و الاوروبية ثقتها للنظام الذي جدد نفسه، فان هذه الاخيرة تسعى لمزيد فرض شروط تمكنها من السيطرة على الوضع الاقتصادي و السياسي.
و لعل هذا ما يبرر الموجة الارهابية التي طالت عديد المناطق في القطر.فتطورت من تدريبات في الجبال الى ضربات في مناطق سياحية هامة و منها عملية باردو و الهجمة التي وقعت في أحد النزل في مدينة سوسة.
و مع تطور الهجمات تطورت كذلك الخطابات السياسية الرجعية في المقابل إذ انتقلنا من الحديث عن المصالحة و مقاومة الارهاب عبر «الوحدة الوطنية» و التعاون في البداية اما الآن فقد صار الامر اعمق و اخطر تجسّد ذلك في ارساء قانون مكافحة الارهاب و حماية الامن و فك الاضرابات و فرض حالة الطوارئ. و كل هذا ينبّئ بإقدام النظام الحامي لمصالح الائتلاف الطبقي الرجعي العميل على اتخاذ قرارات رجعية جديدة من اجل مزيد بسط سيطرته المطلقة و استعمال شتى وسائل القمع وهو ما أدّى إلى اندلاع موجة خوف و هلع في صفوف الجماهير الشعبية خصوصا عمال القطاع الخدماتي و بالتالي السياحي خوفا من ازمة جديدة بعد الركود الحاصل إثر الضربات الارهابية.
هذا ما يدفعنا إلى ضرورة البحث عن اهمية هذا القطاع من حيث موقعه الاقتصادي من ناحية و إلى دراسة الأسباب التي تكمن وراء تشجيع هذا القطاع و إلى ما سيؤدي ركوده من ناحية ثانية.
إن موجة الخوف و الغضب من تدهور السياحة امر معلل بالخصوص في المناطق السياحية و من ابرزها الساحلية، خصوصا و ان القطاع السياحي يعد المصدر الاول لمعيشة العائلات التونسية. فهو يوفر أكثر من نصف مواطن الشغل في القطر التونسي، كما أن 80% من العائلات بالمناطق الساحلية تعتمد على السياحة كمورد رزق اساسي لها. فهي تمثّل المصدر الأول للناتج الداخلي الخام بأكثر من النصف لتتغلّب بذلك على قطاعي الصناعة و الفلاحة. ففي المدن التي تصنّف بأنها سياحية ينبني إقتصادها بأكمله على هذا القطاع فلا نتحدث فقط عن النزل و إنما كل المطاعم و المقاهي و المحلات التجارية و الحوانيت الحرفية و وسائل النقل الخاصة و غيرها، كلّها ترتبط بالموسم السياحي و بمردوديته.
و هذا بدوره ينقلنا إلى مستوى اخر هو الاسس التي ينبني عليها هذا القطاع و سلبياته. و ذلك بغاية حل هذه المعادلة التي يعني فيها ركود السياحة ركود مدن بأكملها.و من هنا تبرز أهمية ربط دراسة هذا القطاع ببقية القطاعات و بحث الأسباب وراء جعله القطاع الرئيسي في القطر.
فمن ناحية يعتبر الإعتماد على القطاع السياحي تعويضا للنقص الحاصل في الصناعة و الفلاحة المتخلفين نتيجة الارتهان لإملاءات دوائر النهب الامبريالي و خصوصا للتقسيم العالمي للعمل، مما جعلها قطاعات موجهة للتصدير و الذي خلّف عجزا في الموازين التجارية بارتفاع نسب الواردات مقارنة بالصادرات و الاكتفاء بالصناعات الاستهلاكية وفق المسموح به مقابل تخلف وسائل الانتاج و العجز عن انتاجها. و بالتالي يعتبر الاعتماد على القطاع الخدماتي و خصوصا السياحة بديلا سريعا يخفف الخسارة و ينتج الأرباح السهلة. مما جعل السياحة قطاعا طفيليا يتمعش من الفوارق الجهوية و ينميها و ريعيا يركز فقط على السياحة الشاطئية على حساب السياحة الجبلية و الصحراوية و الثقافية التي من شأنها ان تنمّي عديد المناطق الداخلية كما أنها و رغم نسب التشغيل التي توفرها فإنها تعتمد على يد عاملة غير مؤهلة . فبعد عملية سوسة الإرهابية تم تسريح أكثر من 5000 عامل نزل إلى اجل غير مسمى و هذا ما سيدعم سوق البطالة و نسب الفقر في المناطق السياحية.غير ان إنعكاسات هذه الازمة لن تقتصر على حدود تسريح العمال بل إنها ستساهم في حصول عديد التسهيلات و منها انخفاض الاسعار . بالإضافة إلى ذلك فإن محاولات النظام لحل أزمة السياحة ستطال القطاعات الاخرى و طبعا لن يكون ذلك بما يسمح بتطورها و تقدمها و بحل الازمة جذريا و إنما بما يوافق إملاءات دوائر النهب الامبريالية عبر تطبيق الشروط التي تنبني على فرض مزيد التسهيلات على الاستثمارات الاجنبية في القطاع الصناعي علاوة على تقليص دور الدولة في الاقتصاد و تفريطها في عديد الاسهم و الشركات و رفع صندوق الدعم تدريجيا مما سيؤدي لتدني المقدرة الشرائية للجماهير الشعبية و يدعم حالة الفقر و الاضطهاد و يعيد انتاج الازمة لكن وفق ^اليات الانتقال الديمقراطي ^ .
إذا و بالرغم من أهمية السياحية و طاقتها التشغيلية فهي ليست بقطاع منتج و إنما هي اليوم لا تتجاوز كونها وسيلة تلفيقية موسمية سهلة لحل أزمة الإقتصاد المتخلف سيقع عمالها ضحية أزماتها المتكررة بسبب طبيعتها الهشة.
/image%2F1265667%2F20170603%2Fob_9c0f2a_12799188-1098105910232129-862678561020.jpg)
