Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

في بيت ينمو فيه النمل مع الأعشاب والخرافات وقصص الجدة المشعَوذَة، وفي لحظات القمع التي طالت بدايته كطفل يسير على تراب يابس، ولِدَ "غابيتو"، الطفل الذي سيصير غداً أحد أهم الأصوات اللاذعة في الأدب اللاتيني.

جاء إلى هذه الحياة في قرية

أراكاتاكا الكولومبية، حيث اجتمع أكثر من ألف مزارع يعملون في زراعة الموز آنذاك وقرروا الإضراب

احتجاجاً على أوضاعهم السيئة، فلم تكن الشركة العاملة في تجارة الموز توفر لهم الأجور أو الأوضاع المناسبة لهم ولأسرهم المقيمة معهم في مواقع العمل. استعانت الشركة ذات النفوذ بقوات الشرطة للقضاء على الإضراب، وكانت النتيجة مقتل أكثر من ألف عامل من بينهم أطفال. حدث ذلك في عام 1928 بعد وصوله إلى الحيّ العتيق.

قال: “أخاف أن لا أستطيع الكتابة مرة أخرى، وأتمنى لو عشت مئات الأعوام الأخرى لأكتب ملايين الصفحات عن جيفارا.

هذه المرة فقدناه تماماً، المرة الأولى عندما غاب خلف سراديب الذاكرة، فأصيب بالخرف، والثانية كانت انحساره كأسراب من النجوم، سقطت في المحيط، فبكت بوغوتا. “أنا لا أصنع شخصياتي لتموت، أصنعها لتعيش”، تقول “مرسيدس” فوجئت به خلال كتابته روايته “لا أحد يكاتب الكولونيل”، يطلق صراخاً ويهرب من غرفته شاحباً مرتعداً، وعندما سألته عما حدث، أجابها بكآبة: “لقد قتلت الكولونيل الآن”.

كان يهب الحياة لشخصياته، ويرسم بسحريته الواقعية لوحة من عوالم يتمنى لو أنها تسير أمامه، فيضحك إذا سقط واحد منهم عن بغلته، أو إذا قفزت تلك الببغاء المزركشة بألوان الهمّ اللاتيني على كتف أحدهم صارخة في أذنه: “خائن!”. يبكي كطفل حين يموت أحدهم، كأنه يبكي صديقاً مات بعيداً، هكذا كان غابريال غارسيا ماركيز وشماً على جبهة أمريكا اللاتينية، ورمزاً أدبياً عالمياً منقطع النظير، فهو الذي رفض جائزة نوبل وقال عنها “تهمة مروّعة”، الكلمة وضعته في رسوّه الطبيعي في طليعة الأدباء العالميين الذين دافعوا عن الفكرة،“نحن الذين نقاوم فقدان الذاكرة”.

وضع ماركيز مفاتيح الحكاية، وترك بين السطور أسرار الحياة، فما شخصياته إلّا إسقاطات على واقع يتهشم يوماً بعد يوم.

بإلهام من كافكا اكتشف العالم السحريّ للكتابة قائلاً: “لقد أعارني أحدّ هذا الكتاب عشوائياً لمساعدتي على النّوم كما أفعل في العادة، ولكن حدث العكس هذه المرة. لم أنم بعدها مطلقاً بسكينتي السابقة. لقد كان كتاب “المسخ” لفرانتز كافكا، وكان بمثابة اتجاه جديد لحياتي من سطره الأول القائل ‘استيقظ جريجور سامسا من أحلامه المزعجة صباح يوم ما ليجد نفسه في سريره متحولاً إلى حشرة عملاقة’، وبلا شك يعد هذا السّطر اليوم من أهم ما ورد في الأدب العالمي”.

ويضيف: “عندما أنهيت قراءة المسخ، شعرت بشوقٍ لا يقاوم للعيش في ذلك الفردوس الغريب. يومها حملت الآلة الكاتبة المحمولة محاولاً كتابة شيء من شأنه أنّ يشبه بطل كافكا المسكين يتحول لصرصار ضخم”.

حين تمنح الحياة لشخصيات حبرية هذا أمر عظيم، لكن حين تجعلها تسير في الشوارع وتصبح حديث المارّة فهذه هي العبقرية، النضال من أجل الكلمة والتعبير عن معاناة عامة لفّت القارّة اللاتينية هو من أسمى التحديات الإنسانية وأنبلها، فقد كان ماركيز يكتب بصيغة الجمع ليلتفّ حوله الفقراء ويرون أنفسهم في صفحات كتبه، إن الكتابة عن الناس وللناس جهدٌ رفيعٌ من اجتهادات النضال، فقد رسّخ ماركيز كلماته من أجل إيصال الورقة الناقصة من المعادلة اللاتينية، وفي مجتمعات كتلك التي تتمتع بظروف خاصة وتعصف بها شتى أصناف الرياح العاتية، من التهميش السياسي والاقتصادي والثقافي والاغتراب العمّالي الحاصل بسيطرة رأس المال الجشع وتغوّل الطغمة الرأسمالية التي تستميت للوصول إلى التحكّم الكامل بمقدرات الناس إلى معاناة الكاتب الشخصية من وقوع بلاده الأم “كولومبيا” في الحجرة الرئاسية الأمريكية.

كل هذا خلق من إبداع غابريال غارسيا ماركيز معولاً لكسر ثلوج الظلم والتشرذم الحاصل في أزقة أميركا اللاتينية، ذلك بأنه كان على يقين بأن السلاح الأقوى لخدمة الأجيال هو الكلمة الصادقة التي تتنبأ بمستقبل زاهر وتزرع في الحقول بذور أجيال جديدة تلغي ما ألحقته شركات الموت الأصفر -دلالة على إمبراطورية شركة الموز ومثيلاتها في المساهمة بضرب الاقتصاد الوطني في دول أميركا اللاتينية- من فساد وفجوة حضارية وأخلاقية تمثّلت بسطوة رأس المال على مقدرات تلك القرى وأبنائها من الطبقات الكادحة.

الاحتفاء بالحياة

حين يحارب الفقراء على جبهات الأزقّة!

ما بين الحبّ والحياة والموت خيوط رقيقة من ألوان خفيّة، فكل هذه المكونات هي صبغة عُمرية لا تُنهي واحدة منها الأخرى، بل على العكس تخلّد وجودها وتتغلغل محتفلة بالبهاء العظيم، الحب تلك المعادلة المقدسة والتي تتجلى روعتها في اندماج الموت مع الحياة وإهداء الأولى رونق الثانية وتهميش الزمن، تلك المعادلة التي اعتمد عليها ماركيز في رواية “الحب في زمن الكوليرا”، كانت معادلة صعبة وشاقة فكيف لفلورينتينو أريثا أن ينتظَر كلّ هذه السنوات كيّ يحظى أخيراً بحبيبته تنفيذاً لعهوده لها، واحدٌ وخمسون عاماً وتسعةَ أشهر وأربعةَ أيام وساعات، كانت هذه هي المدة التي انتظر بها فيرمينا دازا، كل تلك الإسقاطات الإنسانية كانت نتاج حالة شعورية للكاتب.

فرواية الحب في زمن الكوليرا هي حالة حقيقية وسرد روائي لحياة والدي ماركيز، غابرييل إيليخيو ولويسا سانتياجا ماركيث إجواران، كما ذكر الحادثة وصرّح عنها في كتابه “عشت لأروي” فهنا نلحظ أن هذا الكاتب الفذّ ما هو إلا مجموعة من الذكريات. بناء عميق وصادق لكل الحالات التي مرّت به وصقلته لكي يحتفي بالحياة أخيراً كما يراها ويشاهدها أو لربما أرادها تنفيذاً لذاكِرة قوية صلبة كالصخر واضحة الصدق وطاعنة في “الإيمان” بأن التركيبة الفكرية التي زُرِعت بداخلنا منذ الصِغر تحيل حياتنا القادمة لتشكيلة من روعة أحداثها. تماماً كالأسماء التي تلتصق منذ السنوات الأولى!

تلك السنوات من العُمر دائماً ما تكون هامّة وملفتة للنظر؛ الشخصيات، الأمكنة، الوجوه، الأصوات، حتى رائحة الموسيقى الأولى، تعلق كلها في الذاكرة ويُبنى عليها كلّ ما سيأتي.

في تعليقه على هذه الرواية، قال ماركيز: “كلاهما كان راوياً ممتازاً، ولديه ذاكرة الحب السعيدة، ولكنهما بلغا في روايتهما حدوداً من الشغف العاطفي، لم أستطع معها تبين الحدود بين الحياة والشعر، عندما قررت أخيراً بعد أن تجاوزت الخمسين استخدام قصة حبهما في رواية الحب في زمن الكوليرا” – من كتاب عشت لأروي.

في صبيحة السادس من آذار/مارس عام 1927، وفي تمام الساعة التاسعة جاء إلى حياتنا في بلدته الكولومبية الفقيرة “أراكاتاكا-ماجدالينا”، كان طفلاً متعلّقاً بجدّيه لأمه، الجدّ نيكولاس ريكاردو ماركيز ميخيا، وهو ذلك الالتصاق المذهل بين غابو والجنرال “الكولونيل” الذي أطلق عليه لقب “أباليلو”، حيث أنه كان يطوف في غالبية رواياته كما قال عنه ماركيز (أي عن الكولونيل): “هذه الشخصية التي بحثت في كل رواياتي عن إجابات لرسائلها، وهي حبل الوصل بين الماضي والحاضر”، والجدّة الطيبة ترانكيلينا أجواران كوتس، التي أطلق عليها “مينا”، ووصفها بـ “امرأة الشعوذة والخيال، والتي كانت تملأ طفولتي بالأشباح الملونة”.

ماكوندو، التصاق بأرض الحُلم

ماكوندو هي الحالة الوجدانية التي لاحقته منذ الصِغَر، فقد كان يعتبر أن هذه المدينة هي لعبة الحظّ التي عاشها طويلاً، واقترنت في ذهنه بالورد الجوري الأصفر، الذي كان أيقونة للحظّ بالنسبة له أيضاً، فهذه المدينة لم يكن لها أيّ وجود سوى في ذاكِرة ذلك الطفل، فرسمها في أهم أعماله كمدينة للناس الذين يبحثون عن حياتهم بين الأتربة اليابسة.

بدأت الحكاية حين ذهب ذلك الطفل الصغير مع أمه كيّ تبيع المنزل، وهنا في الطريق بدأت عيناه تكتشف المخزون الهائل الذي يترتب عليه بدقة أن يحفظه عن ظهر قلب، ويزيّنه بالألوان المزركشة لاحقاً في رواياته، وأن ينقله من حيّز الحجارة اليابسة إلى نضارة الواقع السحريّ، فهذا ما قام به فعلاً، بدأ ماركيز الطفل يشدّ على يد أمه وذاكرته معاً، يتفحّص الأمكنة والأسوار العالية والأشجار الهرمة والشرفات العتيقة والبيوت الواقفة كالحلم على جباه الأرض بدقة متناهية، وكأنه يحفظ معالم فتاة سيحبها لاحقاً بعد عقود من الزمان، فما كان منه إلا ان ترسّخت هذه المشاهد في ذهنه، ليتنقّل بها بين مدن العالم حاملاً إرثاً هائلاً من الحنين مغلّفاً بالطفولة التي لم ينساها ابداً.

علاقته بسيمون بوليفار وجيفارا وماركوس وبابلو نيرودا

“أريد أن يصبح كل العالم اشتراكيّاً، وأعتقد أنه عاجلاً أم آجلاً سيكون كذلك! “.

تلك هي الأسماء التي كانت مشاعل احتفاء بالنسبة له، وكان يستمد منهم الواقع الحقيقي للاشتراكية التي انحاز لها وتعاطف معها وأثرى معالمها عبر صفحات رواياته، لتحمل في طياتها الهموم الحقيقية للفقراء، فما كانت هذه الشخصيات إلّا انبهاراً بالحالة السياسية التي عاشها وعاصر بعضها واستقى منها حقيقة الوجود السياسي للقارة اللاتينية.

كان كتاب “الجنرال في متاهته” توثيقاً للأيام الأخيرة من حياة الجنرال سيمون بوليفار، محرر أمريكا اللاتينية، وذلك إلى نقد الحالة العسكرية الديكتاتورية في “خريف البطريارك”، الخلط هنا لا يخدم التاريخ! ذلك هو ماركيز الذي احتفى ببوليفار كأيقونة فريدة للتحرّر.

“ليس هناك ما هو أخطر من الذكريات المدوّنة”!.

بابلو نيرودا الذي أخرجه من المكسيك، فحاز على لقب “المهرّب الأجمل”! فقد قام نيرودا -السفير التشيلي في باريس آنذاك- بعملية تهريب لماركيز من المكسيك، من خلال إعطائه جواز سفره الدبلوماسي ليخرج من البلاد، حيث قامت السلطات المكسيكية بإعلان حالة الطوارئ في البلاد بحثاً عن ماركيز!

أما عن جيفارا فكان دائماً ما يقول: “إنني لم أرى رجلاً متحمساً مثله، لقد كان مثالاً حيّاً للثائر الحق، أتمنى لو عِشتُ ملايين السنين لأكتب عن أرنستو”.

كتب ماركيز مقدمة لكتاب “تشي جيفارا الضائع في أفريقيا / مذكّرات الكونغو”، وقد قدّم ماركيز هذا الكتاب بحفاوة بالغة، وبكثير من الحبّ، حيث قال: “له أسلاك شائكة حادة الذكاء، ذاكرته جافة، وأمانته وحشية”.

ويضيف: “هذه الهدية التي قدمها لنا تشي، هي كتلك الهدايا التي تركها لتكون شاهدة على كل شيء”.

ويعتبر هذا الكتاب هو الفصل المفقود في حياة تشي جيفارا، الذي ذهب على رأس قوة كوبية سرية لمساعدة حركة التحرر في الكونغو ضد الاستعمار البلجيكي عام 1965. يوميات لم تنشر لعقود بسبب محتواها المثير للجدل، قدّمها ماركيز، وكتبت ابنة جيفارا أليدا جيفارا صفحات ضمن الكتاب الذي يحتوي على العديد من الصور الغير منشورة للقائد أرنستو جيفارا.

هذا المنشور من يوميات الكونغو نقح بدقة من قبل أرملة تشي أليدا مارش، ونشر بالتعاون مع مركز دراسات تشي جيفارا في هافانا.

كان دائم الالتصاق بالرموز الثورية، فقد قام ماركيز بعمل مقابلة صحافية من خلال مجلة كامبيو المكسيكية مع القائد “المندوب رقم صفر” أو القائد الفرعي لحركة التحرير القومي في المكسيك ماركوس (Subcomandante Marcos).

تهدف الحركة بصورة رئيسية إلى تمكين السكان الاصليين من موارد الإقليم وتحقيق قدر من الحكم الذاتي. تعتبر الحركة أيضاً جزءاً من الحركة ضد العولمة والإمبريالية.

جانب من المقابلة

غارسيا ماركيز: هل لا يزال لديك الوقت للقراءة في وسط كل هذه الفوضى؟

ماركوس: نعم، لأنه إذا لم نقرأ، فماذا نفعل؟ يستغرق الجنود الكثير من الوقت في تنظيف أسلحتهم وحشد أنفسهم، وفي هذه الحالة تكون الأسلحة هي كلماتنا، لذلك علينا أن نعتمد على ترسانتنا في كل وقت.

غارسيا ماركيز: كل ما تقوله -من حيث الشكل والمضمون- يدل على خلفية أدبية خطيرة في الأجزاء الخاصة بك، من أين تأتي بها، وماذا فعلت لتحقق ذلك؟

ماركوس: تفعّلت مع طفولتي في عائلتي، وكانت عبارة عن قيمة خاصة جداً، كانت الطريقة التي خرجت بها إلى العالم من خلال اللغة، لم نكن نتعلم القراءة في المدرسة، ولكن من خلال قراءة الصحف، لقد اكتسبنا وعي اللغة! ليس لأنها وسيلة للتواصل وحسب، بل لكونها وسيلة لبناء شيء ما.

غارسيا ماركيز: ماذا تقرأ الآن؟

ماركوس: لدي دون كيشوت قرب السرير وأشعار لوركا ومسرحيات شكسبير.

غارسيا ماركيز: إذا علم الجميع من أنت، لماذا القناع؟

ماركوس: القليل لا يعرفني، لا يعرفون من أنا، وربما لا يهتمون، لكن دوري هنا هو تحت القناع “القائد الأدنى/الفرعي” ماركوس، وما هو عليه، لا ما كان عليه.

علاقته بفيديل كاسترو .. الصديق الصعب

لقد أصغيت إليه خلال ساعات قليلة، وهو يتحدث حول حنينه للحياة البسيطة واستدعاء الأمور التي كان من الممكن القيام بها بطريقة مغايرة لكسب المزيد من الوقت في الحياة. عندما رأيته منهكاً تحت وطأة حمل مصائر كثيرة وبعيدة سألته ما هو أكثر ما تود القيام به في هذا العالم، فأجابني على الفور: “أن أقف عند منعطف ما”.

النائِب الأول للزعيم الكوبي فيديل كاسترو ميغيل دياز كانيل: “الزعيم الكوبي بخير ولكنه محبط لوفاة صديقه العزيز غابريال غارسيا ماركيز”، وأكمل قائلاً: “صحة كاسترو جيدة، وهو يعمل بشكل مكثّف، وبالطبع هو محبط بسبب وفاة غابريال غارسيا ماركيز الذي كان صديقاً عزيزاً جداً”.

كان الخطاب الأول الذي ألقاه زعيم الثورة الكوبية فيديل كاسترو، والذي استمر لسبع ساعات متواصلة عقب دخوله العاصمة هافانا أول محطة تعارف بينه وبين ماركيز، حيث استمر ماركيز بسماع الخطاب في الفندق، وفي سيارة الأجرة التي تقله الى اللقاء بكاسترو طوال الطريق، وفي المصعد، وعلى مقاهي الأرصفة، ومن النوافذ الكثيرة التي يتدفق منها الصوت بمحبة عارمة لدى الأوساط الجماهيرية حتى في انشغالاتهم!

قال عن كاسترو: “إنني لم أرى أبداً رجلاً محباً للكلام كفيديل!”.

لقد كان اللافت في هذا الخطاب -يقول ماركيز- “أن لدى كاسترو قدرة هائلة على شدّ الانتباه، صوته هشّ وبه بحّة، الأمر الذي دفع الأطباء لنصيحة كاسترو بأن مواصلته هكذا خطابات أمر غير صحي، لأنه وفي غضون خمس سنوات -لو استمر على هذه الوتيرة- سيفقد صوته إلى الأبد”.

كاسترو الذي لم يكن قائداً عادياً، بل كان قائداً استثنائياً بوصف صديقه ماركيز، فقد كان الرجل يتدفق بين الجماهير، رجل لا يصلح للمكاتب، بل يمكن لك أن ترى سيارته الخفيفة المنحدرة في الشوارع الفقيرة في أيّ وقت، وفي أيّ لحظة تذهل الجماهير بقدومه، شديد الالتصاق بشعبه، فتراه يحدث هذا ويمازح ذاك، إن الثلاث ساعات التي أقضيها معه هي مرحلة في الحياة لا تتكرر، تستمر هذه الثلاث ساعات عادة لثلاث أخرى، أمضي معه انشغاله بترتيب البيت الشعبي، وملاحقة هموم الناس على حد وصفه، “ومن ذلك خرجت الأسطورة القائلة إنه شخص متفرد يمضي دون وجهة معينة، ومؤرَق غير منضبط وغير رسمي، يمكنه أن يقوم بزياراته في أي وقت ليجعل من يزورهم يسهرون حتى الفجر”.

بداية الحكاية كانت عندما التقى ماركيز فيدل كاسترو للمرة الأولى عام 1959 .

طوال أكثر من خمسة عشر عاماً لم يكن لفيديل كاسترو مكتباً خاصاً أو عنواناً ثابتاً، ولم يكن لديه توقيتاً خاصاً محدداً لأي شيء، أما مكان الحكومة ومقرها كان ينتقل معه إلى حيث يكون، وكانت السلطة تخضع لتشرده. بعد سنوات اختلف هذا النظام وفرض على نفسه نوعاً من التنظيم الخاص، فكان يقضي أياماً وليالٍ في التنقل، ينام خلالها نوماً متقطعاً، حيثّ يهدّ قامته الشامخة الإرهاق. لكن الآن بات ينام ست ساعات، رغم أنه لا يعرف في أي ساعة سيبدأ النوم، كانت المستجدات هي التي تحدد مجريات يومه، فقد تكون الساعة العاشرة ليلاً فترة جيدة للنوم، أو في السادسة من صباح اليوم التالي.

حين يتكلم مع الناس في الشارع تأخذ المحادثة بعداً بلاغياً وصراحة مطلقة تقوم على التطرق للمصائب الحقيقية. ينادونه: “فيديل”. يحيطون به دون خطر ويخاطبونه بصيغة المفرد ويجادلونه ويناقضونه ويطالبونه عن طريق قناة نقل مباشر، حيث تتداول الحقيقة بكل قوتها. حينها يكتشف الإنسان غير المعهود، الذي لا يحول بريقه الخاص دون الرؤية. هذا هو فيديل كاسترو الذي أعتقد أني أعرفه: “رجل ذو عادات صارمة وتطلعات لا ترتوي أبداً، مع تربية رسمية على الطراز القديم وكلمات رصينة حذرة وعادات بسيطة عاجزة عن تكوين أي فكرة لا تكون فكرة عظيمة”.

يحلم بأن يجد علماؤه الدواء النهائي لعلاج السرطان، ولقد رسم سياسة خارجية لقوة عالمية في جزيرة أصغر84 مرة من عدوه الرئيس. لديه قناعة بأن المنجز الأكبر للإنسان يكمن في تشكيل وعيه على نحو جيد، وبأن الحوافز الأخلاقية، أكثر من المادية، قادرة على تغيير العالم ودفع عجلة التاريخ إلى الأمام.

كان كاسترو بالنسبة لي بمثابة الناشر، فقد قبل نشر أي كتاب لي، كنتُ أعرضُ عليه المخطوطات، كان دقيقاً جداً، ويقرأ طوال الوقت” .

(من كتاب: فيديل كما أعرفه).

زوجته ميرثيدس باراخا

“أكثر إنسان ممتع قابله في حياته”.

“لربما يجب أن يكون لديك صديق عمر، يكون لقاؤكم كافياً، لأن تخوضا معاً محادثة لم تنته قط، في أماكن لا حصر لها من العالم طوال أكثر من نصف قرن، وإذا سأل أولادكم -وأحفادكم من بعد ذلك- عمّا تتكلمان دائماً بهذا الشغف الشديد؟، ستكون إجابتكما دائماً: إننا نتكلم -دوماً- في الموضوع نفسه” – عشت لأروي.

“إذا لم أتلقَ جواباً على هذه الرسالة قبل مرور شهر فسوف أبقى لأعيش في أوروبا إلى الأبد” – عشت لأروي.

هذه هي الرسالة التي صرّح ماركيز بأنها الرسالة الأولى الموجهة رسمياً لميرثيدس باراخا، تلك التي التقاها على بوابة العُمر الجميل واستمرت بداخله كنشيد لا ينقطع، قال عنها: “تركتُ المقال في منتصف الصفحة، بسبب طفرات قلبي، واجتزت الشارع لألتقي بها في فندق كونتينانتل بعد انثتي عشرة سنة دون رؤيتها، لم يكن من السهل التعرّف عليها من الباب وهي بين النساء الأخريات اللاتي يتناولن الغداء في قاعة الطعام المزدحمة، لو لم تومئ لي هي نفسها بقفازها. كانت ترتدي ملابسها بذوقها الشخصيّ المعهود: معطف من زمن سابق، وفرو ثعلب ذاوٍ على كتفها، وقبعة صياد. وقد بدأت السنون تُلحَظُ بوضوح على بشرة الخوخ، المتأثرة بالشمس والعينين المنطفئتين. وبدت متضائلة بأول ملامح شيخوخة جائِرة. كان لا بد من كلينا أن يدرك أن اثنتي عشرة سنة ليست بالأمر القليل في مثل سنها، ولكننا تحملناها على أحسن وجه، لقد حاولت تتبع آثارها خلال سنواتي الأولى في بارانكيّا، إلى أن عرفت أنها تعيش في بنما، حيث صار قبطانها يعمل دليلاً لتوجيه السفن في القناة. ولم يكن تطرقي لهذه النقطة بدافع المفاخرة، وإنما الخجل”.

كانت شديدة السُمرة وهادئة بطبعها وتنحدر من أصول عربية -يقال أنها مصرية-، كان دوماً يرغب بالحديث معها وقتاً طويلاً، لكن اعتقاده بأن المنفى الاختياري الذي يعيش فيه –برشلونة– يلغي قيمة أشياء كثيرة، لكنّ ميرثيدس كانت بالنسبة له الملاذ الحقيقيّ للمتعة والحب والطفولة والحياة، فقد توضّحت المعالم منذ اللحظة الأولى لهذه العلاقة، فما كان منه إلا أن مضى معها لإكمال العُمر، ولترافقه في لحظاته كلّها حتى غاب وراء الفراشات الصفراء.

“إن زوجتي وولدَي أهم ما في حياتي، وبفضلهم استطعت تخطي الصعاب التي واجهتني”.

لماركيز ابنان “رودريجو” مخرج سينمائي يعيش في الولايات المتحدة، و”جونزالو” مصمم جرافيك ويعيش في المكسيك.

بيونيس آيريس وماركيز

حين وصلها فارغ المعدة، وغادرها مكللاً بالمجد والحبّ، ولم يعدّ لها مرّة اخرى.

لنقل أن لكل مجد مدينة، العاصمة الأرجنتينية هي مدينة المجد لماركيز، حيث أن هذه المدينة هي عرّابة رائعته “مئة عام من العزلة”، فهذه المدينة لها الذكِرى الخالصة الأولى والوحيدة التي لا تُنسى بالنسبة له، ففي غضون شهر واحد بيعت أكثر من 11 ألف نسخة من الرواية، وفي يوم ما وهو يجلس برفقة زوجته ميرثيدس وإذ بامرأتين تحملان نسخ من الرواية، عائدتان من سوق الخضار، فلم ينتبها لوجوده وبعد أيام وفي صالة عرض مكتظة بالحاضرين تعرّف الجمهور على ماركيز لأول مرّة وهو يجلس برفقة زوجته، عندما رآه أحد الحاضرين فصاح به: “برافو برافو!!”، فقام الجمع وصفّقوا له وتحلّقوا به منبهرين ومندهشين بوجوده بينهم، ومنذ ذلك الحين انهالت عليه الدعوات والمقابلات للتوقيع ولمصافحة الكاتب، والتأكد من أنه ليس مجنوناً بل إنساناً عبقرياً يحمل قدراً هائلاً من الجنون الفذّ والبذخ الأدبيّ والساحرية الواقعية، قدّمت بيونيس آيرس لماركيز الكثير، فقد شحنت ذاكرته بفرح غامر قرّر بعدهُ أن لا يعود مرّة أخرى لها وفقاً للأقاويل التي تداولها الناس بأن الرجل تخوّف من حبّ الجمهور وحماسهم له، ووفقاً لما قالته له غجريّة: “بأنه لو عاد مرّة أخرى لتلك المدينة فلن يلقى الحظّ الذي لقيه في المرّة الاولى”، لربما أنه كان متأثراً حقاً بنبوآت الغجر في رواية مئة عام من العزلة.

نوبل “تهمة مروّعة”

هؤلاء المسنين الذين يتخذون القرار هم أشبه بعصابة ترسم خططها في الظلام الدامس أو أن مهمة هؤلاء تقتصر بعبارة واحدة: “ترجمة القرار الذي تتخذه وكالة المخابرات المركزية إلى اللغة السويدية”، فقد وجدها تهمة مروّعة، وأضاف: “إنني أخجل من ارتباط اسمي بجائزة نوبل، ومن ثم أعلن عن تقديري غير المحدود لبطولة الشعب الفلسطيني الذي يقاوم الإبادة على الرغم من إنكار “القوة العظمى” أو “المثقفين الجبناء” أو “وسائل الإعلام” أو حتى “بعض العرب” لوجوده. إنني أوقع على هذا البيان باسمي”، وقع غابرييل خوسيه غارثيا ماركيزعلى بيان الإدانة الشهير، متخلياً عن جائزة نوبل للآداب التي نالها عام 1982، وأعلن موقفه وتأييده للقضية الفلسطينية.

الفراشات الصفراء تغادر ماكوندو .. إلى الأبد

في تعليقها عقب وفاته تقول الكاتبة التشيلية إيزابيل أليندي: “إن قراءة روايات ماركيز كانت تمنحني متعة بلا حدود، لكنها لم تكن تدهشني إطلاقاً، كوني مواطنة من أميركا اللاتينية ولدت وعشت فيها زمناً، ذلك ببساطة شديدة أن ماركيز كان يكتبنا نحن اللاتينيين، يكتب حياتنا كما نعيشها بكل ما فيها من خير وشر”.

كاتب الهمّ اللاتيني لم ينتظر أكثر، غادر من البوابة الخلفية بهدوء وصمت مخلّفاً وراءه دويّاً مدهشاً من السحر والوجوم، ناثراً شخصياته في هذا الفضاء المغلّف بالصمت والعزلة والقهر، رافعاً رايات الجمال في وجه الموت ومدججاً بالحبّ كخلاص أبديّ من الغياب، رجل الأزمنة البعيدة البسيط كحذاء، والبذيء كأمطار السنوات كلّها، يقطع بلاداً كاملة بجملة واحدة، وفي كتبه دفن سنوات بعيدة أنبتت ورداً أصفراً، وفراشات تطوف به فوق سماء أمريكا اللاتينية، صادحة بالسيرنادات تحت شرفات كثيرة.

قال: “من عرفوني وأنا في الرّابعة من عمري، يقولون إنني كنت شاحباً ومستغرقاً في التأمل، وإنني لم أكن أتكلم إلا لأروي هذيانات. ولكن حكاياتي، في معظمها، كانت أحداثاً بسيطة من الحياة اليومية، أجعلها أنا أكثر جاذبية بتفاصيل متخيلة، لكي يصغي إليّ الكبار. وكانت أفضل مصادر إلهامي هي الأحاديث التي يتبادلها الكبار أمامي لأنهم يظنون أنني لا أفهمها. أو التي يشفّرونها عمداً، كيلا أفهمها. لكن الأمر كان خلاف ذلك؛ فقد كنت أمتصها مثل إسفنجة، وأفككها إلى أجزاء، وأقلبها لكي أخفي الأصل؛ وعندما أرويها للأشخاص أنفسهم الذين رووها تتملكهم الحيرة للتوافق الغريب بين ما أقوله، وما يفكرون فيه”. – عشت لأروي.

عن موقع راديكال - جاد الأسعد

كاتب الهمّ اللاتيني: ماركيز الذي لم ينتظر طويلاً
Tag(s) : #بالحبر الأحمر