Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

بعـد خروجه من السجن لم يكن هوغوشافيز يمتلك رؤية سياسية واضحة لواقع البلاد الإجتماعي والإقتصادي والسياسي عـدا أفكار ضبابية عامّة عبر عنها فيما بعد في خطاباته حول المساواة والديمقراطية والتصدّي للفقر والجهل الموروثين عن العهود السابقة وإدانة أمريكا...

كما لم يكن "شافيز" يدافع عن أي فكر أو إيديولوجيا ولعلّ إنتماءه الوحيد المعلن هو لفنزويلا والديانة المسيحيّة والشعب وإن أعلن أيضا تعاطفه مع الإشتراكية...

... وما قاده للنجاح في الإنتخابات الرئاسية هو تواضعه وجرأته في التعبير عن رأيه والهجوم على خصومه، وعاطفته "الثورجيّة" البرجوازية الصغيرة والتصاق خطابه السياسي بهموم الشعب الحياتية اليومية. إلى جانب الدعم الذي تلقاه من الأحزاب والمنظمات "اليسارية" والنقابات..

تلك الصفات التي جلبت له إحترام الجماهير وقوى المعارضة السياسية الرافضة لتوجهات النظام السياسي السابق المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية والشركات الإحتكاريّة المتواجدة بالبلاد.

ولكن الخطب السياسية الحماسية التي كان يلقيها وما ذكرته وسائل لإعلام الصديقة والعدوة عن "شافيز" لا تكفي للحكم عليه وعلى النظام السياسي الذي يتزعمه. ولا بدّ لنا من فتح نوافذ أخرى على واقع البلاد وتاريخها والصراع الدائر فيها، والأحزاب السياسية التي كان لها دور فيه منذ عشرات السنين. إذ بدون نظرة موجزة على التاريخ الماضي لفنزويلا لا يمكن فهم حاضرها، ولا تقييم سياسة وخيارات حكومة الرئيس شافيز، لأن وجود هذا الأخير وفريق عمله على رأس هرم "سلطة الحكم" لا يمكن تفسيره خارج حركة التاريخ والصراع الطبقي والنضال الوطني التحرري..

... تحدّثنا فيما سبق عن "سياسة غرس الدكتاتوريات الرجعيّة.." التابعة لأمريكا والدول الإمبريالية الأخرى في بلدان أمريكا الجنوبية والتي تعود إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية... حين سعت أمريكا بشكل خاصّ لتقوية جبروتها في القارّة إلى تنصيب أنظمة عسكرية رجعية عميلة عن طريق إنقلابات منظمة من المخابرات الأمريكية وضباط الجيوش المحلية الرجعيون. واكتسب نشاطها الإستعماري هذا أوسع نطاق له وأكثر خطورة على مرّ السنين. وتمكّنت الولايات المتحدة من زرع عملاء دمويّون منضبطون لقرارات دوائر رأس المال من أمثال: باتيسطا في كوبا (أسقط بالكفاح المسلح عام: 1958) أو سوموزا بنيكاراغوا وبينوشي في الشيلي (نصب الجنرال بينوشي على رأس نظام عسكري عميل بعد الإحاطة بحكومة سلفا دور آلندي الوطنية عام 1973 وقتل هذا الأخير) أو "بيرير خيمناز" في فينيزويلا الذي أزيح عام 1958...

... أمّا الأحزاب اليمينيّة التي صنعها الإستعمار والطبقات الرجعيّة في فنزويلا واستمرّ رموزها على رأس نظام الحكم فهي الحركة الديمقراطية الإجتماعيّة[1] وقد تعاقب أربعة من أعضاءها على رئاسة فنزويلا. والحزب الديمقراطي المسيحي[2] الذي تولّى مؤسسة و"رافئيل كولدرا" رئاسة فنزويلا خلال فترتين آخرها قبل نجاح "شافيز" في انتخابات الرئاسة عام 1998. كما وجدت أحزاب أخرى أقلّ شأنا. مع الإشارة إلى أن تلك الأحزاب اليمينيّة والمنظمات التي عبرت عنها تخدم مصالح كبار الملاكين العقارييين والبرجوازية الكمبرادورية والبيروقراطية المدنية والعسكرية وشرائح برجوازية صغيرة مرتبطة بها من التكنوكراط وأصحاب المهن الحرّة[3]... إلخ. واتسمت فترة حكمها بالفساد المالي والإداري والقمع البوليسي وإغراق البلاد في أزمات إقتصادية متتالية نتيجة التبعيّة لأمريكا والإمبريالية العالميّة والقهر والإستغلال الطبقي المسلّط على الفلاحين الفقراء والمزارعين والعمّال وإهمال مطالب وقضايا الشعب الفنزويلي...

وفيما كان عمال الصناعات المعملية والإستخراجية والبناء والزراعة يعانون الإستغلال الفاحش لقاء دخل قليل يكاد يسدّ رمق الجوع لهم ولأسرهم التي تأويها الأحياء الفقيرة والملاجأ القصديرية. نجد فقراء الفلاحين في وضع إستغلال مماثل لا يحسدون عليه مثلهم مثل المزارعين العاملين بأجر في بعض المزارع الكبرى التي تسخدم فيها المكنة وتستثمر بأسلوب راسمالي ويتقاضون فيها أجرا نقديا زهيدا على جهدهم الإنتاجي المضني.

ذلك ما يبيّنه الباحثون في طبيعة علاقات الإنتاج القائمة في بلدان أمريكا اللاتينية ومن بينها فنزويلا مبرزين حجم الإستغلال والمعانات التي تتعرض لها الطبقات المسحوقة وأهمّ المعضلات التي كان يعاني منها الشعب الفنزويلي الكادح خلال الفترة ما بين تنحية الدكتاتور "خيمناز" وحتى وصول هوغوشافيز إلى رئاسة "جمهورية فنزويلا البوليفارية" والدور الذي لعبه المستعمر الأمريكي لإعاقة تطوّر القوى المنتجة ومنع حركة التحرر الوطني في البلاد والأحزاب والمنظمات المدافعة عن الطبقات المسحوقة من تحقيق الثورة.

في دراسة له حول المسألة الزراعية في فينزويلا يقدّم عضو الحزب الشيوعي الفنزويلي – الونزوا أوجيدا – بعض ملامح علاقات الإنتاج المتعايشة في ريف فنزويلا والإستغلال الذي يتعرّض له الفلاّحون. فيشير إلى أن عـدد الفلاحين في أواخر الخمسينيات وبداية الستينات من القرن الماضي قد بلغ: 2,5 مليون فلاح (من أصل 6 ملايين و320 ألف ساكن) يشتغل معظمهم في أراضي مالكي اللاتيفونديات[4]، فيما يعمل زهاء 100 ألف عامل زراعي في مزارع كبرى ويعيشون في قرى صغيرة محيطة بتلك الإقطاعات. ويذكر أن "... أشكالا مختلفة لعلاقات الإنتاج تتعايش في الأرياف، ففي اللاتيفونديات، نجد أن للعلاقات طابعا شبه اقطاعي: ويدفع الفلاحون في أكثر الأحيان أتاوات عينية: ثلث أو نصف المحصول. لكننا نجد أيضا الأتاوة نقودا. وفي بعض الأحيان تتخذ المحاصصة شكل أتاواة تدفع بالعمل، لا سيما في سنوات المحصول السّيء.

والطراز الثاني، هو العلاقات الرأسمالية – فالملاك الكبير، أو المتوسط أو الصغير – يستخدم عمالا يدفع أجرهم بالقطعة، أو باليوم.

وأخيرا فهناك إستثمارات فرادية صغيرة، تملك طابع الإستثمارات شبه البضاعية، شبه الطبيعيّة، تقوم بإنتاج البن (لعل الكاتب يقصد بذلك الإنتاج الفلاحي في قطع أرض مملوكة لفلاحين صغار أو مستأجرة والتي يتحوّل جزء من منتوجها إلى بضاعة تباع في السوق كالبن بعد تحميصه وتعليبه أو تعرّض على حالتها الطبيعيّة...))[5].

وهكذا فإنّ أرض فينيزولا هي مصدر الثروة الرئيسي للبلاد. وفيما تمتلك الشركات الإحتكاريّة العالمية حقوق استثمار قسم كبير منها حيث تمكن الثروات الطبيعية الهائلة من المواد الأوليّة كالبترول والغاز

ويمتلك عملاؤها جزء يستثمرونه بطريقة رأسمالية. فإن الجزء الأعظم من تلك الأرض وخاصّة في المناطق الأكثر خصوبة يمتلكه كبار الملاكين العقاريين من الإقطاعيين وأشباه الإقطاعيين، يستغلون فيه قرابة نصف سكّان البلاد من الفلاحين الفقراء ويستولون على الريع العقاري بأشكال مختلفة...

إن هذ الوضع الذي يعاني منه الفلاحون ليس فقط في فنزويلا وإنّما أيضا في أغلب بلدان أمريكا الجنوبية جعل منهم طبقة ذات مصلحة في التغيير الجذري لواقع المجتمع إلى جانب العمال الذين يعانون بدورهم من أبشع ظروف الإستلال ومطالب هاتين الطبقتين الرئيستين (رغم ضعف تشكل الطبقة العاملة وتشتّتها وانخفاض مستوى وعيها الطبقي...).

كانت دائما محاور الصراع في البلاد وحولها بنت الأحزاب والحركات المختلفة مواقفها ومن تلك المطالب الإصلاح الزراعي، والتأميم وغير ذلك...

[1] وهو أقدم حزب سياسي في فنزويلا، تأسس عام 1941 – حكم البلاد إلى جانب الحزب الديمقراطي المسيحي لأكثر من 40 عاما بعد تنحيه الدكتاتور "بيريز" حتى تاريخ وصول شافيز للرئاسة....

[2] حليف الحركة الديمقراطية الإجتماعية ومنافسها الظاهري. تأسس عام 1946 وهيمن بدوره في فترات عديدة على سلطة الحكم.

[3] في عام 1971 انشق وزير سابق عضو في الحزب الشيوعي الفنزويلي عن هذا الحزب وأسس مع منشقين آخرين حزب الحركة نحو الإشتراكية البرجوازي الصغير الإصلاحي، والذي يتمتع ببعض الحضور إلى جانب الأحزاب اليمينية الكبرى التي تعرّضنا لها.

[4] اللاتيفونديا: وتسمى أيضا "الهاسنيدا" في أمريكا اللاتينية (Latufundia – ou – Latufundium) كلمة من أصل لاتيني، وهي متكوّنة من جزئين: Latus وتعني: واسع شاسع وFundus ومعناها: ضيعة والمقصود بها إقطاعة أو ضيعة كبيرة...

واستعمل الرومان المصطلح للدلالة على المساحات الفلاحية الكبرى المستغلّة في المستعمرات الرومانية وانتقل استعماله أيضا إلى اليونان لأداء نفس المعنى وذلك في عهد العبودية. حين كان العبيد يستغلون في العمل الفلاحي مقابل الطعام، ويسمح لهم بالتكاثر وإنجاب الأطفال ليكونوا عبيدا جددا ويد عاملة جديدة...

الفتنة وقد استخدم طه حسين نفس المصطلح في كتابة: الفئة الكبرى – الجزء الأول في معرض حديثه عن عثمان بن عفان وزمانه.

ويقع استغلال الفلاحين في معظم بلدان أمريكا الجنوبيّة بطريقة اقطاعية أو شبه إقطاعية...

[5] - راجع مجلّة "الوقت" اللبنانية – العـدد: 2 فيفري 1961 – ص: 139-140.

هوقو شافيز  كيف نفهمه ونحكم على نظامه -ج4
Tag(s) : #الطريق الثوري