Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

انعقدت قمة الأرض بالبرازيل سنة 1992 فكانت أول إطار دولي يطرح مسألة البيئة طرحا جديا.

ثم تتالت المفاواضات بعد قمة الأرض لتفرز بروتوكولا من 28 مادة عرف بـ اتفاق كيوتو (مارس 1998) وهو اتفاق مثل ولا يزال موضوع جدل وخلاف بين الأقطاب الامبريالية الكبرى في العالم لم يحسم إلى يومنا هذا. فلئن أفلحت فرنسا في وضع هذا الاتفاق على طاولة المفاوضات ضمن جدول اعمال قمم الثمانية فإنها لم تفلح في توحيد المواقف المتباينة من هذا البروتوكول .

وعلى العموم سنحاول في هذا العمل رصد مختلف المواقف وردود الفعل الحكومية وغير الحكومية من هذا الاتفاق لا دفاعا عنه او انتصارا لما احتواه من قراءات للوضع البيئي الراهن بل كشفا للرهانات السياسية والاقتصادية التي تتحكم في المواقف المختلفة منه، سواء تلك التي رفضته أم تلك التي دافعت عنه كفرنسا والاتحاد الأوروبي عموما.

إن هذا العمل يتطلب منا فيما يتطلب "تفكيك" النظريات العلمية التي استند إليها كل موقف تفكيكا قريبا من التحليل او النقد الايستمولوجي حتى نبين المظامين الفلسفية والايديولوجية الكامنة وراء تلك الأقنعة العلمية التي علقت بها المواقف المختلفة من "بروتوكول كيوتو". ولن يتسنّ لنا هذا الأمر إلا إذا نظرنا إلى المسألة من وجهة نظر المادية الجدلية المنهج الوحيد القادر على دراسة حركة المادة والطبيعة .

وعلى هذا الأساس رأينا أن نقسم هذا العمل إلى ثلاث مراحل كبرى ، ففي المرحلة الأولى حاولنا النظر في موقف الولايات المتحدة والدلالات الاقتصادية لهذا الرفض ، كاشفين الأقنعة الفلسفية والايديولوجية التي تخفيها النّظرة العلمية للبيئة التي تدافع عنها الولايات المتحدة .

ثم في مرحلة ثانية ، فصلنا القول في موقف الاتحاد الأوروبي والفرنسي يشكل خاص ، متطرقين إلى نفس الاشكالات : الأسباب الإقتصادية والسياسية للرفض والخلفيات والأبعاد الايديولوجية للنظريات العلمية التي تدافع بها فرنسا عن هذا الموقف وأخيرا حاولنا النظر في المواقف "غير الحكومية" من اتفاق كيوتو وتحديدا مواقف رؤوس الأموال والشركات الكبرى من قضايا البيئة حتى نبين البعد الطبقي والاجتماعي للقضية .

1 ) موقف الولايات المتحدة الأمريكية :

أ ) مسار الرفض :

رفضت الولايات المتحدة "بروتوكول كيوتو" رفضا كليا في البداية فلم تصادق على تفسيره لظاهرة الاحتباس الحراري واعتبرت ان الأسباب التي قدمها هذا البروتوكول لا تستند إلى أسس علمية يمكن الوثوق بها .

وواضح في هذا السياق أن رفض الولايات المتحدة للبروتوكول لم يتعلق فقط بما قدمه من تفسيرات لتغير المناخ الحالي ، بل أيضا لما احتواه البروتوكول من مبادئ عامة تلزم الدول المعنية بتخفيض الغازات المسؤولة عن ظاهرة الإحتباس الحراري. ففي سنة 2007 تغير موقف الادارة الأمريكية من هذا الاتفاق واعتبر ان الاعتراض الأمريكي حول "كيوتو" ينحصر أساسا في المادتين الأولى والثانية منه وهما الفقرتان اللتان تلزمان الدول المنضوية تحت الاتفاق بـ"تحديد وخفض الانبعاثات كميا" " المادة2" اما لفقرة الاولى من المادة الأولى فقد نصت صراحة على وجوب الخفض من الغازات بما لا يقل عن 60 بالمائة من اجمالي الانبعاثات من غاز ثاني أكسيد الكربون لعام 1990" فاذا كان البروتوكول دعا على وجه اللازام إلى الخفض من الغازات التدفئة وعلى رأسها ثاني أكسيد الكربون (02) إلى ما هو أقل بـ 60 بالمائة من كمية انبعاثها قبل 1990 ، فإن الولايات المتحدة اقترحت شرطا للموافقة على هذا البروتوكول هو استبدال ( الخفض) والحد من الانبعاث إلى ما مدته " التثبيت" أي تثبيت نسبة انبعاث هذا الغاز في المستوى الذي كان عليه سنة 1990 وواضع أن هذا الاقتراح يلغي البروتوكول الغاء نهائيا كما سيتوضح في الفقرات القادمة .

ب ) الخلفيات الاقتصادية والسياسية للموقف :

ورد ضمن "بروتوكول كيوتو" ان الأسباب الريئسية والمباشرة لظاهرة الإحتباس تعود أساسا إلى تزايد كميات الغازات في الغلاف الجوي وهي على الترتيب من حيث الأهمية :

1 _ ثاني أكسيد الكربون CO2 بنسبة تركز 360 جزءا في المليون

2 – ثان الميثان CH4 بنسبة تركز 1745 جزء في البليون

3 – أكسيد النيتروز N2O 270 جزء في البليون

ثم :

4 - كلوروفيل الكربون CFC-11

5 – الهيدروفور كربون HFC-23

6 – البرفلور ميتان CF4

وتعبر الولايات المتحدة البلد الاول في العالم من حيث انتاج ثاني أكسيد الكربون ، وهو غاز ينشأ أساسا من عمليات حرق الأكسيد الأحفوري وانتاج الطاقة النفطية او الغازية سواء أثناء التصنيع أو خلال الأنشطة الحياتية اليومية .

ولم ترفض الواليات المتحدة هذا البروتوكول لأنها أول منتج لثاني اكسيد الكربون فحسب ، بل ايضا وهذا هو الأهم لأن هذا البروتوكول اقترح مبدأ الضريبة على الكربون مما يعني أنها ستخسر 100 بليون دولار إلى حدود سنة 2012 فضلا عما ستنفقه شركاتها النفطية من أموال من أجل تطوير تقنيات انتاج نظيفة .

هذا هو الأساس الاقتصادي والسياسي الذي ينهض عليه موقف الولايات المتحدة من بروتوكول لكيوتو .

ولكي تبرز مواقفها عمدت الادارة الأمريكية (ادارة بوش) إلى ممارسة ضغوط مختلفة على العلماء والخبراء المنظوين ضمن الهيئة الدولية المعنية بتغير المناخ حتى يقدموا تفسيرات "علمية" تتناسب مع موقفها .

ولقد قدم السيناتور "الديمقراطي" هنري واكسمان تقريرا مفصلا عن هذه الضغوطات كما عملت "جمعية علماء المناخ" على فضح تورط الادارة الأمريكية في سياسة تضليل للرأي العام فوجهت أصابع الاتهام لشركة أيكسونموبيل النفطية واتهمتها بانفاق 43 مليار دولار من أجل رشوة العلماء واقامة جمعيات مناهضة لاتفاقية كيتو .

وفعلا صيغت في السنوات الأخيرة نظرية علمية تفند ما ورد ضمن بروتوكول كيوتو، وقد عملت المؤسسات العلمية والاعلامية للامبريالية الامريكية على نشرها وترويجها وسنحاول في الفقرة اللاحقة شرح هذه النظرية من أجل الكشف عن رهانها الايديولوجي .

ج – التبريرات العلمية لهذا الموقف :

بينت مجموعة من العلماء الموقف السياسي للولايات المتحدة فلفقوا نظريات علمية من هنا وهناك وقدموها كقراءات بديلة للظاهرة المناخية وما شهده المناخ من تغير .

ومن بين هؤلاء العلماء نذكر عالم الكيميائيات "إيان كلارك" الذي فسر الظاهرة بتفاعالات النظام الشمسي وأهمها التفاعلات البركانية الشديدة في محور الشمس والتي ادت إلى تزايد درجة الحرارة في الأرض حسب رأيه .

أما "كلود أليجير" فقد دافع عن تفسير قريب من الأول وأحيا نظرية رياضية تعود لعالم الرياضيات ميلونكو فيتش (1979 – 1958) الذي فسر "الدورات الجليدية" التي شهدتها الأرض بعوامل فلكية عرفت بدورة ميلونكوفيتش وملخص هذه النظرية أن مدار الأرض حول الشمس ليس في الحقيقة مدارا دائري الشكل بل هو مدار اهليلجي تقع الشمس في اقصاه وتبلغ مسافته 900 مليون كيلومتر وتمر الأرض بأقرب نقطة من هذا المدار تسمى "الحضض" وأبعد نقطة تعرف بالاوج" .

اما المسافة الزمنية الفاصلة بين النقطتين فتقدر بـ 413 ألف سنة وتعد دورة حرارية كاملة، اذ ببلوغ الأرض نقطة الأوج تشهد حالة تجمد قصوى، بينما ترتفع درجات حرارتها على أقصى حد ببلوغها نقطة الحضيض .

وعلى هذا الأساس يزعم "كلود ألبجير" أن ما يشهده المناخ من تغير هو في الحقيقة ناتج عن دورة فلكية لا دخل للعوامل البشرية فيها. ومن ثمة راحت الولايات المتحدة تروج هذه النظرية في الأوساط العلمية والفكرية حتى تبرر رفضها لاتفاق كيوتو .

إن هذه المعطيات الرياضية والفلكية هي معطيات صحيحة في ذاتها لكنها لا تفسر ما يشهده المناخ من تغير. فحسب هذه النظرية فان المدة الزمنية التي تفصلنا عن الدورة الحرارية القادمة تقدر بـ11 ألف سنة وبالتالي فإنها لا تفسر الظواهر المناخية التي بدأت تظهر منذ وقت قصير جدا بالمعايير الفلكية لا يتجاوز قرنين من الزمن .

ثم إذا كانت ظاهرة الإحتباس التي يشهدها مناخ الأرض في الفترة الراهنة ناتجة عن هذه الدورة الفلكية فلماذا ظلت المجموعة الشمسية بإستثناء الأرض بمعزل عن هذه الظاهرة ؟ سيما وأن هذه المجموعة مرتبطة ارتباطا مباشرا فيما بينها خاصة في علاقتها بمحورها الشمس .

لا أسس علمية ينبني عليها موقف الولايات المتحدة فقط المصالح الاقتصادية هي التي دفعتها لترويج وعي زائف بالطواهر حتى لو كان ذلك الوعي من طبيعة علمية .

والملاحظ في هذا السياق أن هذا "التفسير العلمي!" الذي تدافع عنه الولايات المتحدة يستند فلسفيا إلى ثوابت المنهج البنيوي الذي يعزو التغير إلى العناصر الثابتة ضمن البنية الفلكية العامة والطريف أن هذا التفسير لا يختلف في جوهره عن النظرية اللاهوتية السائدة لدى الجماهير الشعبية التي تفسر كوارث الطبيعة والكون بالارادة الالاهية التي لا قدرة للانسان على مقاومتها . فطالما أن ازدياد درجات الحرارة ناتج عن دورة فلكية قارة فلا قدرة للبشر على ايقافها وكأنها نابعة من قوى غيبية غير منظورة تتحكم في مصير الانسان والطبيعة .

قمة الأرض وتباين مصالح الدول الامبريالية
Tag(s) : #الطريق الثوري