Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

إذا كان الشهداء قد علمونا الكتابة للحريّة بالدم ، فإن درويش علمنا كيف نحيا ونحول لغتنا أيضا إلى ذخيرة حية في معاركنا وصراعنا من أجل تحرير الأرض والإنسان من ربقة الاستعمار الإمبريالي والصهيوني . فقد كانت قصائد درويش بمثابة سلاح ضد الوجود الصهيوني الاستيطاني في فلسطين ووسيلة لاستنفار روح المقاومة فينا التي تمنح شعبنا الثبات والقوة والعزيمة والايمان بصدق القضية وعدالتها .

لقد علمنا درويش أن المقاومة فن يتحقق على أشكال مختلفة . وفن الشعر والأدب الواقعي الملتزم عموما والذي يعبر عن تطلعات الجماهير المضطهدة نحو التحرر ، هو واحد من أشكال المقاومة التي هزم بها محمود درويش الموت .

لقد قتل محمود درويش الموت وهزمه في قصيدة " جدارية" التي كتبها على فراش المرض عندما أجرى عملية القلب المفتوح الثانية فقال :

" هزمتك يا موت الفنون جميعها" . فمحمود درويش الشاعر المناضل هو شاعر المقاومة الفلسطينية وأحد أهم وأبرز الشعراء العرب المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر " الثورة والوطن" . وهو من أبرز من ساهم في تطوير الشعر الحديث وادخال الرمزية فيه . ولد عام 1941 في قرية البروة الفلسطينية المدمرة والتي قامت مكانها مستوطنة صهيونية تدعى "أحي هود" .وبعد خروج الاستعمار البريطاني وتغلغل الاستعمار الصهيوني الاستيطاني بفلسطين والاعلان عن دولة "الصهاينة عام 1948 " لجأ درويش وهو في سن السابعة من عمره إلى لبنان حيث مكث عاما ليعود فيجد قريته مدمرة ويستقر في قرية دير الأسد أين أنهى تعلمه الابتدائي مخفيا اذ كان يخشى أن يتعرض للنفي من جديد اذا كشف أمر تسلله فعاش تلك الفترة محروما من الجنسية أو أية أوراق ثبوتية . أما تعلمه الثانوي فتلقاه في قرية كفر ياسف، وانضم حينها إلى "الحزب الشيوعي" والذي وجد فيه الكثير من فلسطين 1948 والذي شكل غطاء لنضالهم السياسي الأول ضد المستوطنين المستعمرين ..

وقد كرس درويش شبابه في كتابة الشعر والمقالات في الصحف والمجلات التابعة "للحزب الشيوعي" مثل جريدة الاتحاد في حيفا وتعرض عدة مرات للاعتقال من طرف سلطات الاحتلال بتهم تتعلق بمواقفه ونشاطاته السياسية . وفرضت عليه الاقامة الجبرية منذ عام 1961 وحتى العام 1972 عندما سحب منه الصهاينة الهوية ونفوه خارج أرضه. فانتقل لاجئا إلى مصر ثم لبنان حيث عمل في مؤسسات النشر والدراسات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية هناك . وقد شغل دويش عديد المناصب الهامة في المنظمة ، غير أنه استقال منها عام 1993 احتجاجا على توقيع اتفاقية أوسلو .

كما شغل منصب رئيس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطيين وحرر في مجلة الكرمل .

وقد انتقل شاعرنا المناضل للاقامة في فرنسا ثم في تونس قبل أن يعود من منفاه في التسعينات ويجعل من مدينته رام الله مقرا له .

وهكذا كانت حياة درويش مثل حياة أبناء شعبه من منفى لآخر ، داخل الوطن وخارجه . فالنفي هو شكل من أشكال الاضطهاد التي قهرت الشاعر وعن مأساة النفي هذه قال: "إذا كان متاحا الآن تقييم هذه التجربة ، تجربة اللاجئ في وطنه ، فإني أشعر أنها تبعث على خطر القتل النفسي بصفته أقسى من تجربة المنفى. ففي المنفى يتوفر لديك الاحساس بالانتظار ، وبأن المأساة مؤقتة فتشم رائحة الأمل ، فيصبح عذاب المنفى مبررا والتصور للمنزل والجمال المنشود والسعادة المقبلة أمرا مشروعا . أما التجربة الأخرى اللجوء في الوطن ، فإنه غير مبرر وصعب الاستيعاب .

إنك تشعر بالغصة والقهر حتى في أجمل أحلامك . وتكتب ملامحك انسعكاسات واقع هي أقرب ما تكون إلى الرموز. كنت أشعر أني مستعار من كتاب قديم يخلق فيا انطباعا غامضا لأنني لا أحسن قراءته".

لقد كان المنفى وسنوات الشتات في الداخل والخارج سببا قويا في علاقة درويش وفتنته باللغة . يقول " كلما طال منفى الشاعر توطدت أقامته في اللغة". لقد نفي درويش ليشارك شعبه الألم والمأساة فاخاط منها لغة شعرية فريدة من نوعها، لكأنه أصبح يقيم داخل اللغة وداخل القصيدة التي صارت الأرض والحبيبة : فلسطين التي حملها وحملته ولم تغادر سجلاته الشعرية الأدبية، فهو من نقل فلسطين عبر قصاءده إلى معظم صالونات الأدب في العالم وإلى منابر الابداع في كل الأنحاء وعرف بقضيتها فكان سفيرا للحلم الفلسطيني والعربي والأمل فيى التحرر والانتعتاق من نير الاستعمار الصهيوني الامبريالي .

وقد جسد محمود درويش الأرض في شعره حين تحدى المحتل وصمد . فديوان ( أوراق الزيتون وأعراس ) خير دليل على التشبث بالأرض وتحدي المحتلين الصهاينة الذين اغتصبوها بالقوة و الوحشية دون حق يقول درويش:

" هذه الأرض جلد عظمي

وقلبي يذير فوقها كنحلة – كفراشة"

فالأرض عند محمود درويش هي انتماء شعب وتاريخ لهذا الشعب . فدفاعه عنها دفاع عن تاريخ ولغة وخيرات وثروات للشعب العربي في فلسطين . وارجاع لحق شعبنا في أرضه وزيتونه وتثبيت لنهج المقاومة لدحر المحتل الصهيوني الغاصب .

فالأرض هي سر بقائه وأفق استمراره وهي:

" أم البدايات ، أم النهايات

كانت تسمى فلسطين

صارت تسمى فلسطين

(..) سيدتي ، لأنك سيديتي

أستحق الحياة.."

والأرض حاضرة أيضا في نثره ومقالاته ، أرضا عربية مقاومة وعن يومها ، يوم الأرض التي لم يتمكن الغزاة من تدجينها ولم يتمكنوا من حبها قال:

وها هم يهربون من الأرض إلى المكتب ، يهربون من الأرض إلى سيارة تاكسي في نيويورك يهربون من الأرض إلى الدبابة التي صارت وظنهم الوحيد . كم من مستعمرة زرعوها فتقيأتها الأرض . كم مرة صاح كهنة الخرافة : هودوا الجليل ، وظل الجليل عربيا، لأن الأرض لنا إلى الأبد وإلى الأبد وإلى الأبد لنا"[1].

لقد آمن درويش بأن طريق المقاومة الوطنية المسلحة هو السبيل الوحيد لتحرير الأرض ، لذلك انسحب من منظمة التحرير الفلسطينية احتجاجا على اتفاقيات الخيانة التي أبرمتها السلطة الفلسطينية العميلة مع العدو ونتيجة مسار المفاوضات الذي رعته الإمبريالية الأمريكية ودعمته . فرغم اختلال موازين القوى لصالح المحتل وامتلاكه أعتى وأقوى آليات القمع والقهر فإن درويش متمسكا بموقف المقاومة رغم حالات الجزر التي مرت بها . كما ظل متفائلا بما يصنعه المقاتلون والفدائيون الشهداء. فهم من سيخلق واقع التحرر وهم من سيقلب علاقات الاستغلال التي دعمها المستعمر وأعاد انتاجها . لذلك صور درويش المقاتل في شعره خالقا وسوّاه مع الآلهة ضاربا بذلك كل وهم يسوغ إلى حرية مساوية أخروية أو كل حل سحري عجائزي غير المقاومة . فالمقاومة هي الدين والديانة والمقاتلون هم الآلهة .

لقد برع درويش في تمجيد المقاومة ضمن قصيدة " أحمد العربي" و"بيروت" و"مديح الظل العالي" نقرأ في بداية قصيدة "أحمد الزعتر "ما يلي" .

" ليدين من حجر وزعتر

هذا النشيد

لأحمد المنسي بين فراشتين"

وتنتهي القصيدة بقوله:

"أخي أحمد

وأنت العبد والمعبود والمعبد

متى تشهد ؟ متى تشهد ؟ متى تشهد ؟ "

ويؤكد درويش ألوهية ، المقاتل قائلا :

" اقرأ باسم الفدائي الذي خلق

من جزمة أفق

وقد سخر درويش في شعره من العملاء العرب المتآمرين والمتأمركين الذين يخدمون أسيادهم الامبراليين ويجسدون مصالحهم على أرضنا ، فقد سخط عليهم وعلى أنظمتهم وعروشهم البائدة العميلة وأعلن انتماءه للفقراء المقاتلين في المخيمات فيقول :

" أنتمي لسمائي الأولى

وللفقراء في كل الأزقة ينشدون

صامدون صامدون

وصامدون ."

ورغم اعتبار درويش القضية الفلسطنية مهمة شعرية بالأساس إلا أنه حاول أن ينتبه إلى جوانب أخرى على حياة الفلسطيني المقاتل المهووس بجماليات الحياة ، مشيرا إلى أن الاحتلال لم ينجح في كسر روحه الانسانية المنفتحة على حب الحياة . وهنا حاول الشاعر أن يجعل شعره انسانيا أمميا فيكون منطقة تقاطع بين كل الهويات ويتجاوز إطاره الوطني إلى إطار انساني أوسع ما دام هم المضطهدين في كل أنحاء العالم هو التحرر والعدالة الاجتماعية. ما دام الأحرار والثوار في العالم يساندون كل قضايا التحرر الوطني والانعتاق الاجتماعي ويساندون شعبنا العربي المضطهد . يقول في أحد حواراته : " القضية الفلسكينية مهمة شعرية بالدرجة الأولى ويجب أن نخفف من النظرة إلى الفلسطيني كحالة نمطية مطالبة بكتابة شيء محدد سلفا ، مطارد بالموت وبالاستشهاد الدائم ، يجب الانتباه إلى أن له حياة أخرى ، فهو يفرح بتفتح الزهور الأولى في الربيع المبكر، ويفرح بالحب وبجماليات الحياة ، وهذا يعني ان الاحتلال لم ينجح في كسر روحه الانسانية المتفتحة على روح الحياة، هذا شاغلي الكبير ... هذا الذي يجعل الشعر منطقة تقاطع بين كل الهويات ويتجاوز إطاره الوطني إلى إطا انساني أوسع، والشعر الانساني هو مجموع تجارب لشعوب مختلفة ."

لقد كان درويش ملتزما بقضايا شعبه ويعيش معاناته ويعبر عنها ويصوغ تطلعات أبناءه نحو التحرر والانعتاق . لذلك يصح القول أن درويش شاع المقاومة والثوة : ثورة التحرر الوطني العربية ، لأنه كان طرفا في صراع هذا المحتل الغاصب ولم يتعال على واقعه أو يهرب منه مثل أغلب المثقفين المستقيلين.

لقد كانت حياة الشاعر متوثبة ومتوترة في صراع دائم حتى ضد المرض والموت . فقد خضع لثلاث عمليات جراحية على القلب الأولى كانت عام 1984 والثانية عام 1998 والتي كان لها الفضل في ولادة قصيدته المطولة "الجدارية" والتي يقول فيها : " هزمتك يا موت" غير أن العملية الثالثة كانت أكثر تعقيدا وخطورة ولم يتحملها قلب الشاعر الذي فارقنا على أثرها عن عمر يناهز 67 عاما .

.. برحيل محمود درويش ينتصر الحلم ويموت الموت . وتبقى ملايين الجماهير المضطهدة تهتف دائما بصدى كلماته وقصائده ورؤيته الشعبية المقاومة فتملؤهم بالتفاؤل وتعينهم على تجاوز الخيبات الكبيرة التي تعصف بحياتنا وتحفزنا دائما وتستنفرنا للنضال والصراع والانتصار من أجل التحرر الوطني .

ولأن درويش يعيش واقع شعبه في قصائده ويعيد تصوير ذلك الواقع من خلال الكلمة بجرأة فقد ساهم بشعره في نقد الحالة الفلسطينية قبل وبعد اتفاقيات "أوسلو" الخيانية وتعرض لحالة الانقسام التي وقف وراءها اليمين الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة .

وذلك ما نلمسه مثلا في قصيدته بعنوان "يوميات" وكانت عباراته في وصف السلطة المهزلة في ظل الاحتلال تكاد تنظق بأسماء الحركات الرجعية المتسببة في حالة الضياع والتشتت التي يعيشها الشعب .. تلك الحركات المغامرة العبثية المنبطحة العاجزة عن البناء ، وذات الأفق الوهمي المسدود ..

يقول دويش :

- هل كان علينا أن نسقط من علو شاهق ، ونرى دمنا على أيدينا .. لندرك أننا ملائكة .. كما كنا نظن ؟

- وهل كان علينا أيضا أن نكشف عن عوراتنا أمام الملأ ، كي لا تبقى حقيقتنا عذراء ؟

- كم كذبنا حين قلنا : نحن استثناء !

... لو لا الحياء والظلام ، لزرت غزة ، دون أن أعرف الطريق إلى بيت أبي سفيان الجديد، ولا اسم النبي الجديد !

- ولو لا أن محمد هو خاتم الأنبياء ، لصار لكل عصابة نبي ولكل صحابي ميليشيا !

[1] في وصف حالتنا" مقالات مختارة ، دا الكلمة للنشر، 1987،ص121

محمود درويش..  رحل وترك جرحه المكابر والعشق للوطن
Tag(s) : #الطريق الثوري