Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

جانفي 1978 : مقدمات الإنتفاضة الشعبية

يتناول هذا النصّ القصير ملامح الازمة الاقتصاديّة والسّياسيّة العالميّة التي سبقت عام 1978 داخل البلدان الرّاسماليّة عالية التطوّر، وانعكاساتها على بلادنا. كما يتعرّض لاهمّ الاحداث التي اججت ردّة الفعل الشّعبيّة تجاه اوضاع متردّية جدّا.وسيقسم هذا النصّ الى اقسام ثلاث يتضمّن القسم الاوّل الازمة الدّوريّة للامبرياليّة خلال سنوات السّبعين من القرن الماضي. فيما يشمل القسم الثّاني مظاهر التأزّم في تونس شبه المستعمرة امّا القسم الثّالث فنتعرّض من خلاله الى اهمّ الاحداث التي سبقت انتفاضة 26 جانفي.

اوّلا: الازمة الدّوريّة للرّأسماليّة العالميّة في أواخر السّبعينات من القرن الماضي:

عاشت الدّول الرّأسماليّة أزمة دوريّة حادّة في اواخر السّبعينات من القرن الماضي ومن ابرز ملامحها:

  1. حرب المنافسة المحتدمة بين الدّول الصّناعيّة الكبرى مع تراجع في الانتاج الصّناعيّ الثّقيل وفي تسويقه (خاصّة صناعة السيّارات) وقد ادرك التّراجع حدودا عالية ففي امريكا مثلا بلغت نسبة 20% بين السّنوات 1974 و1980. فيما كانت النّسبة تتراوح بين 10% و 12 % في نفس الفترة في البلدان الاروبيّة وخاصّة في فرنسا وايطاليا وبريطانيا* وفد ادّى ذلك الى سقوط عديد الشّركات الاحتكاريّة وتسريح مئات الآلاف من العمّال...
  2. ارتفاع كبير في اسعار السّلع والموادّ الاستهلاكيّة (الغذائيّة بشكل خاصّ) وفي تكاليف الحياة.
  3. ارتفاع نسبة البطالة، اذ باستثناء اليابان الذي شهد استقرارا نسبيّا في سوق العمل (بفضل ازدهار صناعة السيّارات في ذلك البلد مقارنة مع البلدان الاخرى) ، فانّ "كلّ البلدان الكبرى الاخرى شهدت بدورها ارتفاعا في معدّل البطالة"* وبلغ عدد العاطلين عن العمل في البلدان السّبعة الكبرى وهي الولايات المتّحدة الامريكيّة وكندا واليابان والمانيا الاتّحاديّة وبريطانيا وايطاليا وفرنسا 16 مليون عاطل عن العمل.والجدول التّالي يوضّح ذلك:
  1. انخفاض القدرة الشّرائيّة لدى الطّبقات الاجتماعيّة الفقيرة نتيجة عدم التّناسب بين دخلها واسعار الموادّ الاوّليّة الاستهلاكيّة. وقد سجّلت نسبة ارتفاع في ثمن تلك الموادّ تتراوح بين 14% و30% في نفس البلدان السّابق ذكرها.*
  2. تازّم الاوضاع الاجتماعيّة والسّياسيّة في معظم تلك البلدان

ثانيا :انعكاس الازمة في البلدان المستعمَرة وشبه المستعمرة

امّا في البلدان المستعمَرة وشبه المستعْمَرة ومنها تونس ( وخاصّة البلدان غير النّفطيّة) فقد سجّل اقتصادها التّابع والمرتبط بالدّورة الاقتصاديّة الرأسماليّة العالميّة ملامح ازمة اكثر حدّة تمثّلت اساسا في:

  1. العجز الواضح والمتفاقم في الميزان التّجاريّ والذي قٌدّر بمليارات الدولارات والمتأتّي اساسا من ارتفاع وارداتها على حساب الصّادرات بشكل ملحوظ* وكذلك لجوءها لمزيد من التّداين الخارجيّ بفوائض عالية * فقد ارتفعت تكاليف استيراد السّلع والموادّ الاوّليّة الغذائيّة وغيرها بمعدّل 25.5% سنويّا خلال المدّة الممتدّة بين عام 1972 و1979 .ومقارنة بالنّاتج المحليّ الدّاخليّ PIB ارتفعت بشكل ملحوظ نسبة المبادلات مع الخارج وقد تغيّرت من 36.7% عام 1972 الى 54% عام 1979. وهو ما يترجم تدعيم انفتاح السّوق المحلّي والاقتصاد التّونسيّ نحو البلدان الصّناعيّة الكبرى. واسباب ذلك تعود اساسا الى ارتفاع الاسعار سواء اتعلّق الامر بالواردات ام الصّادرات ومن المعلوم انّ اسعار المواد المصدَّرة والمورَّدة على السّواء تتحكّم فيها الصّناعات والاسواق الخارجيّة أي بتعبير آخر الدّول الامبرياليّة الكبرى. وذلك ما نتج عنه تعميق انخرام الميزان التّجاريّ وعجزه الذي تجاوز 74.4 مليار دينار عام 1972 ليصل الى 432.8 مليار دينار عام 1979 *
  2. انخفاض الطّلب على الموادّ الاوّليّة اللاّزمة للصّناعة في البلدان الرّأسماليّة المصنّعة (كالحديد مثلا بالنّسبة لتونس) نتيجة الازمة "الصّناعيّة" لتلك البلدان ونزول أسعار تلك الموادّ الى حدود دنيا لا تتماشى وتكلفة استخراجها ونقلها .. الخ.
  3. عجز تلك الدّول المتخلّفة اقتصاديّا على تطوير الانتاج قصد تحقيق الاكتفاء الذّاتيّ الغذائيّ لمواطنيها مع تراجع في نسب الانتاج المحليّ مقارنة مع ارتفاع الطّلب على الموادّ الغذائيّة الاستهلاكيّة في السّوق الدّاخليّ نتيجة التخلّف التّقنيّ الصّناعيّ لتلك البلدان وتبعيّة اقتصادها.
  4. تعمّق الهوّة والتّفاوت الواضح في الدّاخل بين الطّبقات الحاكمة المالكة لوسائل الانتاج والثّروة من جهة والطّبقات الشّعبيّة المسحوقة من جهة اخرى وعجز هذه الاخيرة عن تغطية ابسط تكاليف الحياة.
  5. ارتفاع وتيرة الاضرابات والاحتجاجات من جانب الطّبقات والفئات المحدودة الدّخل حتّى بلغت حالة عالية من التوتّر السّياسيّ وخاصّة في الجامعة التّونسيّة (نضالات الحركة الطلاّبيّة) والاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل (موجات الاضرابات العمّالية في اكثر من قطاع).
  6. لجوء الانظمة الرّجعيّة ومنها النّظام التّونسيّ الى القمع المباشر لايّ تحرّك جماهيريّ وتصدّيه العنيف لمطالب الشّعب العادلة.

ثالثا: اهمّ الاحداث التي سبقت الانتفاضة:

من ابرز الاحداث السّابقة والمتّصلة بانتفاضة 26 جانفي الشّعبيّة يمكن ان نسجّل:

  1. تشجيع الاستثمارات الخارجيّة في تونس وفتح اسواقها امام البضائع الاجنبيّة والموادّ المصنَّعة والمعدَّة كليّا للتّصدير وامام رأس المال الماليّ الاجنبيّ وهو ما عبّرت عنه قوانين 72 و74 و76.
  2. اقبال العمّال على الانخراط في الاتّحاد العام التّونسيّ للشّغل وتنامي الاضرابات (رغم اعتبار الاتّحاد العديد منها غير شرعيّة).
  3. استفحال الازمة الاقتصاديّة خاصّة عامَيْ 1975 و1976 واحتدام الصّراع على السّلطة وانخراط البيروقراطيّة النّقابيّة ممثّلة في الحبيب عاشور في ذلك الصّراع مستغلّة اوضاع الطّبقة العاملة التّونسيّة السيّئة ومطالبها المشروعة والتي تتمحور اساسا في التّرفيع في الاجور والضّغط على الاسعار ومراجعة العقود المشتركة واختيارات النّظام الاقتصاديّة.
  4. تصاعد وتيرة الاضرابات عام 1977 برغم امضاء قيادة الاتّحاد "الميثاق الاجتماعيّ". وتردّي اوضاع المؤسّسات الاقتصاديّة في البلاد.
  5. توتّر العلاقات الليبيّة التّونسيّة وزيارة الحبيب عاشور لليبيا واعلان النّظام عزله عن قيادة الاتّحاد.
  6. اضراب عمّال وعاملات النّسيج بقصر هلال في 12 اكتوبر 1977 وقمع البوليس للمضربين ممّا أدّى إلى صدامات عنيفة.
  7. استقالة عديد الوزراء في حكومة النّظام.
  8. نوفمبر 1977 التّحاد العام يعلن عديد الاضرابات احتجاجا على ما صرّح به بعض رموز النّظام حول إمكانيّة أغتيال الحبيب عاشور وانخراط عديد النّقابات في تلك الاضرابات من منطلق الدّفاع عن مصالح النّقابيّين.
  9. النّظام الحاكم يسعى لتكوين نقابات موازية وانعقاد المجلس الوطنيّ للاتحاد العام التّونسيّ للشّغل ايّام 8 و9 و10 جانفي 1978 وتعبير قيادته (عاشور، البكّوش..) عن الاستعداد لشنّ الاضراب العام في كلّ القطاعات وقد تلى ذلك هجمات على مقرّات الاتّحاد وقيادته من طرف البوليس والمليشيات الحزبيّة التّابعة للحزب الحاكم.

* انظر بخصوص هذه الارقام : le monde diplomatique-le bilan economique et social -1980

* المصدر السّابق

* نفس المصدر

* استيراد السّلع المصنّعة رأسماليّا الى اسواقها المحليّة وتصدير الموادّ الاوّليّة الخام نحو الدّول الصّناعيّة الكبرى

* استيراد الرّأس مال الماليّ الفائض عن الدّورة الاقتصاديّة في الدّول الامبرياليّة

* انظر بخصوص الارقام المذكورة مجلّة DIALOGUE عدد346 بتاريخ 20/04/1981 ص 28

Tag(s) : #الطريق الثوري